محمد غازي عرابي
643
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
العفو قراره وأعلن قائلا : ( إذهبوا فأنتم الطلقاء ) ، ومع هذا فاللّه يعفو عن المؤمن إذا ما أثير فحمل على عدوه فقتله ، إذ المدخل الجهاد ، والمخرج سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ [ يس : 58 ] . [ سورة الحج ( 22 ) : آية 61 ] ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ( 61 ) [ الحج : 61 ] الأمر بين ظاهر وباطن ، واللّه هو الظاهر والباطن ، فالليل إشارة إلى النور الإلهي المستتر ، والنهار هذا العالم المرئي ، فيكون النور والجا في العالم المادي ، ومن الممكن عكس الآية فيكون النهار هو النور والليل العالم الكثيف والنتيجة تكون نفسها ، وربط الإيلاج بكون اللّه سميعا بصيرا ، وههنا نكتة . . فالنور لو لم يلج في العالم لظل في العماء ، أي ظل مثل السحاب الرقيق ، أي ظل ذرا بلا تكثيف أو سديما أول كما قالت العلماء عن بدء التكون ، فإذا لم يجد النور مكانا وزمانا ليظهر لم يظهر من ثم ، وظل اللّه كنزا مخفيا ، فاللّه كثّف الذر ليوسع لنوره مكانا فيه ، وليتوضع فيه زمانا ، ولينشر من ثم مقولاته من الكيفيات في هذه الكميات ، فمتى تم هذا استوى اللّه سميعا بصيرا ، أي كان العالم محل الخطاب للّه ، فخاطبه ومن فيه ، ثم سمع منه ومن فيه ، ولما كان الموضوع أصلا هو اللّه كان الحق المخاطب - بكسر الطاء - والمخاطب - بفتح الطاء - ، أي المكلم والسميع ، فهو بذاته ، والعالم لذاته ، وكلاهما ذاته . [ سورة الحج ( 22 ) : آية 62 ] ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ( 62 ) [ الحج : 62 ] العلي من أسماء التنزيه ، إذ لا فوق فوق اللّه ولا تحت تحته ، ولهذا تساءل ابن عربي على من علا وليس ثمت إلا هو ؟ وأورد ابن عربي حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : ( لو دليتم بحبل لهبط على اللّه ) ، مستشهدا بأن للّه الجهات باعتباره محتوى وجوهر المقولات التي وصفت الوجود بأنه الفعل والانفعال والزمان والمكان والكم والكيف . [ سورة الحج ( 22 ) : آية 63 ] أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ( 63 ) [ الحج : 63 ] سبق أن تحدثنا عن ماء العلم اللدني النازل من سماء الرحموت إلى أرض الأبدان ، ليعلم الإنسان ما لم يعلم . وثمة بطن آخر لهذا الماء الإلهي وهو تمييز الإنسان عن الحيوان بالنطق أي بالفكر ، وكنا قد تحدثنا عن دور الفكر في التجريد الحسي للكليات الحسية ، كما وتحدثنا عن الحدس الذي هو سمة باطنة ، للفكر أيضا ، والإنسان بدأ رحلته من الغاب فكان والحيوان